ندرة الماء والإنسان في الصحاري:

لم يُهيّأ الناس تهيئة جيدة للمعيشة الصالحة في الصحاري، كما هُيئت نبانات وحيوانات معينة. وبمقارنة الناس بكثير من النباتات أو الحيوانات، نجد أن الناس يجب أن يحصلوا على الماء بانتظام وعلى فترات متقاربة. ولكنهم لا يستطيعون صنع الماء في داخل أجسامهم، كما أن أجسامهم لا تحتوي على أماكن (مقصورات) خاصة بخزن الماء.

يستطيع سكان الصحاري الاقتصاد في الماء:

ويستطيع الناس طبعا أن يقتصدوا في الماء. ويتعلم كل سكان الصحاري أن يجيدوا الاقتصاد في الماء، فهم لا يسرفون في استعمال الماء في حياتهم اليومية كما يفعل الناس في أنحاء أخرى من العالم.

فمثلاً كثيراً ما ينظف سكان الصحارى "أطباقهم" ، بالرمل بدلا من الماء ، وأحياناً يستعملون الرمل في دلك أجسامهم بدل اغتسالهم بالماء. ويعرف سكان الصحاري أيضاً كل ضروب الحيل للمحافظة على رطوبة الجسم، أي للمحافظة على الماء الذي هو جزء مهم في كل خلية من جسم الإنسان. وفي مركز تجارب "يوما"، التابع لجيش الولايات المتحدة الأمريكية، والموجود في الصحراء الأمريكية ، وجد الأطباء أن الإنسان يعرق حوالي ۳٫۳ لترات ( أو ۳ كورتات) من الماء إذا سار لمدة ساعتين في حر الصحراء. ويحاول معظم الناس الذين يعيشون في الصحراء أن يستريحوا في الظل في أثناء الجزء الأكثر حرارة من كل يوم، لعلهم يتجنبون فقدان الماء بسرعة.

ويحمى معظم سكان الصحاري أجسامهم من أشعة الشمس المباشرة، فتجد الرجال الذين يسوقون قوافل الجمال في الصحراء الكبرى، مثلاً، قد داوموا على تغطية أنفسهم بشملات طويلة وكوفيات، ويطلى أفراد قبيلة البوشمن في صحاري كلاهاري أنفسهم بالزيت ويدعونه يمتزج بالتراب فينتج عن ذلك غطاء يحميهم .

بيد أن من يتقي نفسه من الشمس طيلة النهار، ولا يتحرك على الإطلاق، لا يستطيع أن يبقى حيا مدة طويلة جدا في الصحراء إن لم يحصل على ماء عذب، وإذا ارتفعت درجة حرارة الصحراء بالنهار إلى °۳۸ م أو أكثر - ويحدث هذا كثيراً - ولم يكن لديه ماء للشرب، فمن المحتمل أن يموت في خلال خمسة أيام أو أقل . وإذا لم تكن درجة الحرارة بهذا الارتفاع الشديد، فقد يعيش بدون ماء مدة أطول قليلا ، ولكن المحتمل ألا تطول هذه المدة عن أسبوع. وبعبارة أخرى، يجب أن تكون لكل إنسان من سكان الصحراء وسيلة يعتمد عليها في الحصول على الماء بانتظام و لكي يبقى الفرد حيا.

في الصحاري لا يمكن الإعتماد فقط على ماء الأمطار :

وقد يستطيع أن يجمد الماء إبان هطول المطر، ولكن لا يمكن الاعتماد على أمطار الصحراء . فالصحراء قد تظل بدون مطر لمدة شهور ، بل سنوات متصلة . وهذا هو السبب في أن معظم سكان الصحراء يستعملون طريقة من الطريقتين الأخريين للحصول على الماء هناك : فهم يجدون الماء تحت أرض الصحراء ، أو يحضرونه من خارج الصحراء . وقد استعمل سكان الصحراء كلا من الطريقتين لمدة قرون عديدة .فأما الماء الذي تحت الأرض ، فيرتفع بنفسه إلى السطح ، في أماكن معينة .  وهو يرتفع أحيانا في صورة عين ذات فقاقيع . وأحياناً ينساب ببطء إلى أعلى ، مكوناً ثقباً مائيا ضحلا . وتسمى تلك الأماكن ذات التربة الرطبة والحياة المزدهرة بالواحات، وتبدو كأنها جزر خضراء في بحر من الصحراء . وتحيط الصحراء بكل واحة، ولكن الواحة لعدم جفافها ليست في الواقع جزءاً من الصحراء . وفي الحقيقة لا يستحق سكان الواحات لكثرة ما لديهم من الماء أن يطلق عليهم سكان الصحراء . وفي الواقع أن معظم الناس الذين نعتقد أنهم يعيشون في الصحراء الكبرى ، مثلا ، يسكنون في الواحات المتناثرة هنا وهناك في أنحاء تلك الأرض الشائعة الاتساع . وبعض واحات الصحراء الكبرى صغير . والماء هناك يكفي بضع أسر فقط . وبعض الواحات أوسع كثيراً . وقد تكون الواحة المتكونة من عدة عيون على درجة من الكبر ، بحيث يمكن أن تحتوي على عدة قرى داخل حدودها الخضراء الظليلة .

الماء تحت أرض الصحاري:

ولكن حيث لا توجد واحات في المناطق الصحراوية، يستطيع الناس أن يحصلوا على الماء أحياناً من تحت أرض الصحراء . وأحياناً يجدونه على بعد غير كبير جدا أسفل سطح الأرض. وفي صحراء كلهاري الأفريقية ، يبحث أفراد قبيلة البوشمن عن بقعة منخفضة في الأرض ، ويدفعون إلى أسفل في تلك الأرض بقصبة جوفاء . فإذا كانوا قد أحسنوا اختيار المكان - وهي مهرة جدا في هذا - فإنهم يستطيعون مص الماء لأعلى خلال القصية.

وأحياناً يمصون أكثر مما يحتاجون إليه في الشرب. فعندئذ ينقلون بعضه إلى قشرة بيضة نعامة فارغة، يتخذون منها كوزا. وعقب نزول المطر عندما تتشبع الأرض بالماء، قد تملأ قشور كثيرة من قشور بيض النعام وتخبأ، وبذا يحصل أفراد قبيلة البوشمن على مئوية من الماء في متناول أيديهم أثناء مدة القحط الطويلة عندما تجف الأرض تماماً .

وقد استعمل بعض الهنود الحمر الذين يسكنون الصخور العالية في الصحراوات الأمريكية، منذ عهد بعيد، طريقة أخرى للحصول على ماء من تحت الأرض، فحفروا آباراً كبيرة عميقة في أرض الصحراء، ونحتوا درجا في جدران الآبار، لكي يستطيعوا الهبوط عليها إلى قاع البتر، ليملأوا أواني الماء.

وإذا جفّت البتر يعاودون الحفر فيزيدوها عمقاً إلى أن يصادفوا الماء ثانية. وهم يضطرون إلى زيادة تعميق آبارهم، المرة تلو المرة، في الفترات التي لا يسقط فيها مطر لمدة طويلة. والقبائل الرحالة التي تجول من مكان إلى آخر في صحراء غرب تعلمت أيضا أن تحفر الآبار منذ عهد بعيد. وفي سفرياتهم كانوا ينتقلون من بنر إلى أخرى

جلب الماء من خارج الصحراء:

والطريقة الثانية للحصول على الماء في الصحراء - وهي جلبه من خارج الصحراء - استعملها هنود حمر معينون أيضاً.

فأفراد قبيلة الموهوكام الهنود الحمر، الذين عاشوا في ولاية أريزونا في الولايات المتحدة الأمريكية) منذ أكثر من خمسمائة سنة، شقوا القنّي التوصيل الماء إلى قراهم الصحراوية من أقرب نهر. وكان عمق إحدى القنوات، وهي التي تزود محلة كبيرة بالماء من نهر جبلا، أكثر من تسعة أمتار (۳۰ قدماً) عند السطح، وكانت جدرانها المائلة تغوص لمسافة أكثر من مترين (سبع أقدام). وكانت هناك قنوات أخرى أصغر من هذه، وتتفرع منها. ولقد كان أفراد قبيلة الموهوكام على درجة عالية من المهارة في الحصول على الماء بهذه الطريقة، حتى سموا بناة القنوات.

ولقد استعمل سكان الصحراء القدامي في إيران ذلك الأسلوب نفسه، ولكنهم لم يحفروا قنيا مكشوفة بل حفروا بدلا منها أنفاقاً تحت الأرض، الكيلا يتبخر الماء أثناء انسيابه. وبلغ طول بعض أنفاقهم عدة أميال تبدأ من عين أو من مصدر ماني طبيعي آخر. والرجال الذين حفروا تلك الأنفاق وداوموا إصلاحها منذ أكثر من ألفي سنة كان عليهم أن يحفروا داخل الأرض كالخلد. وكان ذلك عملا شاقا وخطراً. فكثيراً ما خسروا أرواحهم إذا انهار نفق عليهم وهم بداخله. وبعض تلك الأنفاق - ويسمى مجازاً قناة - ما زال يستعمل. ولكن هذه المحاولات لم تكن كافية لاستنباط الماء من الصحراء زمنا طويلا، فأحياناً تجف آبار الهنود الحمر في الصحراوات الأمريكية، مهما كان عمق تلك الآبار. وقنوات قبيلة الموهوكام تصير عديمة القيمة إذا جف النهر الذي يغذيها. وبالرغم من أن بعض عيون الصحراء قد تدفقت منها كميات (جالونات) من الماء كل يوم عدة قرون ، فإن عيوناً أخرى قد اضمحلت إلى سيالات ضئيلة أو اختفت تماماً.

وذلك هو السبب في أنه من الممكن اليوم رؤية أطلال المدن المهجورة والقرى في كل صحاري العالم تقريباً، إذ كان لا بد من هجر تلك الأماكن لأنهم لم يعودوا يستطيعون الحصول على الماء فيها.

ولكن هناك اليوم مدناً جديدة كثيرة في الصحراء أيضاً. وبعضها أثبت أن الإنسان يستطيع - بفضل الأساليب الحديثة - الحصول على الماء في أماكن كانت على درجة من الجفاف بحيث لم تقم بها حياة من قبل.

واليوم يستطيع الإنسان - باستعمال آلات قوية - أن يحفر آباراً أعمق من تلك التي كانت تحفر من قبل . وتجلب الأنابيب الماء إلى داخل الصحراء اليوم ، المسافة تزيد أحياناً عن مئات الكيلو مترات (مئات الأميال). واليوم توجد أساليب هائلة للرى، تتحكم فيها الحكومات غالباً، فتزود الألوف من سكان الصحراوات بالماء.

وتعتمد أساليب الري تلك على سدود كبيرة تبني لتسد أخاديد (فجوات) عميقة بين الجبال المرتفعة. وتتجمع المياه من الأنهار والأمطار والثلوج المنصهرة، وتصب في تلك الأخاديد، مكونة بحيرات أمام السدود ثم تنقل شبكة من القيئ والقنيّات ماء البحيرات إلى المناطق الصحراوية عند سفوح التلال. ويقوم رجال يسيطرون على القنيات بحساب كمية الماء التي يسمح بها لكل مالك بالضبط.

وأساليب الري الحديثة هذه تيسر على مزيد من الناس السكني في المناطق الصحراوية أكثر من ذي قبل. وبذا يثبتون ثانية ما سبق أن تعلمه الإنسان منذ عهد بعيد في الأزمنة الغابرة، وهو أن الناس لا يستطيعون العيش في الصحاري إلا بشرط، هو أن يستطيعوا الحصول على مدد مُنتظم من الماء الصالح الضروري لبقاء الإنسان.