غالباً ما يكون سطح أى بركة ساكناً، وهو يعكس الأشجار والمنازل كما تفعل المرأة، ولكن البحر لا يكون ساكناً أبداً، فمياهه في حركة دائمة، والأمواج أبسط هذه الحركات وأسهلها للفهم.

وعندما ننفخ على طبق الحساء لتبريده فإننا نصنع أمواجاً دقيقة، وهذا هو الذي يحدث عندما تهب رياح الزوابع على البحر. وليس أعظم روعة من منظر شاطئ صخري تتابع عليه الأمواج العظام، فترى الأمواج تزيد ويرتفع رشاشها عاليا، ونسمعها تزمجر حتى تهتز شبابيك المنازل المجاورة.

ولكنك إذا رأيت شيئاً طافياً هناك وانتظرت أن يصل إلى متناولك فقد يخيب أملك، لأن هذا الشيء لا يفعل أكثر من أن يعلو ويهبط دون أن يقترب أكثر. وهذا بالضبط ما تفعله كل قطرة من الماء في الموجة، فهي تعلو وتهبط وتدور حول نفسها كما لو كانت ترقص برشاقة مع الرياح.

إذا ربطت حبلا بشجرة فإنك تستطيع أن ترسل على طوله موجة بعد موجة، ولكن الحبل نفسه يبقى حيث هو في اليد. وهذا هو ما يحدث في البحر؛ إذ تمر حركات الموجة خلال الماء فترفعه وتخفضه، ولكن لا توجد إلا حركة قليلة إلى الأمام أو لا توجد. فقط عندما تقترب الموجة من البر كأنها تقفز إلى الأمام تماماً كما قد تفعل أنت إذا اشتبكت إصبع قدمك بطرف سجادة، ثم تلتف الموجة على نفسها وتندفع في شكل رغوة.

وأعلى جزء في الموجة يسمى قمة الموجة، والتجويف بين موجتين يسمى الحوض، والمسافة بين قمة الموجة وقاعها في ارتفاع الموجة.

والشخص الواقف على الشاطئ لا يهمه من أبعاد الموجة سوى هذه. ولكن الأمواج في عرض البحر تقاس أيضاً بطرق أخرى، فهناك سرعة حركة الموجة خلال الماء. سرعة ۲٤ كيلومتراً في الساعة هي سرعة عادية، ولكن حركات الأمواج التي تسببها الزلازل تمر في الماء بسرعة تفوق سرعة الطائرات النفاثة.

وهناك قياس آخر وهو المسافة بين موجتين وتسمى الفترة. والأمواج عندما تقترب من الشاطئ تتزاحم فيما بينها وتكاد تتعثر الواحدة منها فوق الأخرى، وهي تشبه أناساً في خروجهم مسرعين من دار السينما، ولكن في عرض البحر حيث يكون البراح متسعاً، فقد يكون بين الموجة والأخرى مئات الأمتار.

ويتحدث البحارة أيضاً عن مدى الموجة، ويقصدون بذلك المسافة التي قطعتها حركة الموجة؛ فهي قد تكون قادمة من مكان يبعد مئات أو حتى آلاف الكيلومترات.

والأمواج الكبيرة حقا تحتاج لحيز كبير؛ فالموجة التي ارتفاعها متر ونصف المتر قرب الشاطئ قد يكون ارتفاعها خمسة أمتار في عرض البحر. وقد نجد في وسط المحيط تلك التلال المتحركة من الماء التي تجعل أكبر البواخر تتأرجح في الماء، وكأنها قطعة خشب صغيرة في غدير سريع الجريان.

وقد يسبب أي عاصف مفاجئ من الريح ما يسميه البحارة؛ "بحر مقطب"، ولكن الأعاصير التي تهب لعدة أيام متتابعة هي وحدها التي تسبب مثل تلك التلال المزبدة من الماء. وهي تكون "اللحى الشائبة"، التي توجد خارج رأس هورن، والتي كانت تفزع الملاحين.

وهناك مناطق أخرى تكون الأمواج فيها عالية مثل شمال المحيط الأطلسي في الشتاء، والبحار حول القارة القطبية، ورأس الرجاء الصالح قرب الطرف الجنوبي لأفريقيا والذي كان يسمى أول الأمر رأس الزوابع.

والأمواج وهي تتكسر على الشاطئ لها قوة عظيمة، فالموجة التي ارتفاعها أربعة أمتار قد تضرب بقوة أكثر من ثلاثمائة طن لكل متر على طولها.

وفي مدينة ويك الإنجليزية ثبتت كتلة ضخمة من الأسمنت زنها ۲۹۰۰ طن بصخور الشاطئ الصلدة بوساطة أسياخ من الحديد أطرها ثماني سنتيمترات وذلك لتعمل كحاجز للماء، ولكنها انفصلت بفعل الأمواج في زوبعة في عام ۱۸۷۷.

وللأمواج أيضاً قدرة عظيمة على التسابق، فهي تتسابق صاعدة الشاطئ المنحدر تدفعها من الخلف قوة البحر إلى أن تصعد ربما ۱۰۰ متر أو أكثر.

وفي جزر فارو شمال أسكتلندا رفعت الأمواج صخرة تزن 40 طنا مسافة 50 متراً فوق البحر.

أمواج البراكين والزلازل:

وأعظم الأمواج كلها هي تلك التي تسببها البراكين أو الزلازل. وفي سنة ۱۸۸۳ ثار بركان كراكاتوا الواقع خارج ساحل جزيرة جاوة في منتصف المسافة حول العالم، وارتفعت الأمواج ۳۰ متراً أو أكثر، وأغرقت ۲۰٫۰۰۰ شخص على السواحل المجاورة، وعبرت هذه الأمواج المحيط الهادي بسرعة1000 كيلومتر في الساعة ووصلت في أمواج صغيرة إلى داخل خليج سان فرانسيسكو. وفي سنة 1946 انهار جزء من قاع المحيط خارج ساحل جزر الوقيان في آلاسكا، وقد سبب ذلك أمواجاً عظيمة يظن أن البعد بين الواحدة والأخرى كان 150 كيلومتراً. وفي خمس ساعات وصلت الأمواج إلى جزر هاواي حيث سيبت أضراراً جسيمة.

والأمواج وإن كانت تسبب أضراراً إلا أنها هي التي نحتت في سواحل البحار وخلقت منها الأبراج الصخرية البديعة والكهوف وشواطئ الاستحمام.

وعلى طول شواطئ كثيرة، حتى في الجو الهادئ، قد تتدافع أمواج عظيمة من البحر لعدة أيام متوالية، وهذه تسمى ارتفاعات المحيط، وتسببها رياح على بعد مئات الكيلومترات. وقد أنشئت محطات على بعض السواحل لدراستها لأنها غالباً ما تنبئ عن زوابع قادمة.

وأغلب الأمواج لا تصل بعيدة جدا تحت سطح الماء، ولكن في الأعماق توجد أمواج أخرى قد تكون أعظم، وهي توجد في الأماكن التي تتصادم فيها تيارات المحيط أو حيث يتقابل ماء أكثر ملوحة مع ماء أقل ملحاً. ونحن لا نعرف إلا القليل عن هذه الأمواج عدا تأثيرها على الغواصات. وهي إحدى الأشياء الغامضة الكثيرة التي يخفيها البحر عن أنظارنا.