مهاتير محمد

شخصية مهاتير محمـد شخصية مبدعة تجمع بين الشخصية التسلطية والنشاط المستقل وحب التطوير والإحساس بتحقيق الذات ، فقـد كـان دائب الحركة يخطط لعمله ويعمل لخططه ، كانت أوامره دائماً ( إنجاز عمل اليوم ) ، وكان يؤكد دائماً على أهمية الحصول على المعرفة وتقديم الأفكار الجديدة التي هـي حجر الأساس لتقدم الدولة ، وهذا ما جعله مميزاً عن السياسيين الآخرين ، ولأهمية تجربته الرائدة في القيادة سأفرد له مقالاً خاصاً عنه . 

كان مهاتير محمد يتمتع بالقدرة والإخلاص وهما سر القيادة الناجي وقد نجح نجاحاً مدوياً فقـاد شعبه إلى التقدم والرخاء ، وارتقى به إلى مستوى عال من الأمن والإستقرار ، واجتث بلاده من براثن التخلف والفقر إلى ساحات التقدم والثراء ، فماليزيا قبل مهاتير محمد لم تكن سوى بلد زراعي يعتمد على تصدير المطاط ، وكانت ماليزيا مقسمة إلى ثلاث فئات عرقية يمثل الشعب الأصلي الملاويين نصف سكان البلاد وهم الفقراء بينما يمثل الصينيون نسبة ٣٧ ٪ وهم أصحاب الثراء بينما يمثل الهنود نسبة ١٢ ٪ وهم على مستوى متوسط من المال والتعليم . 

لقـد آمـن مهاتير محمـد أن الأوطان لا تبنى بالصراع والتناحر وإنما تشاد بالتعاون والتكامل ، ولذا شجع أهله ومواطنيـه مـن الملاويين أن يكونوا نشيطين وأصحاب تجارة ومال مثل إخوانهم الصينيين والهنود ، وقد سخر إعلامه لنشر ثقافة التسامح والإخاء بين أبنائه ونبذ التعصـب بكافة أنواعه ، فحول كل مواطن ماليزي إلى طاقة مبدعة إنتاجية ، وقد كانت خبرته كطبيب قد ساعدته على حسن تواصله مع الجماهير ، فكان محباً لشعبه يعامل الخاملين منهم وكأنهم مرضى يسعى لتشخيصهم وصـرف الدواء الناجع لهم · 

استطاع مهاتير محمد أن يحصل على منحة لدراسة الطب في كلية إدوارد السابع الطبية التي أصبحت فيما بعد جامعة المالاي بسنغافورة ، وكان لهذه الرحلة أثر كبيرة حياته حيث تعرف على مناطق التحضر في الملايو ، وبعد تخرجه من كلية الطب عمل في المستشفى العام في مدينة ألو ستارثم ، وأنشـأ عيـادة خاصـة لـه وتـرك العمل الحكومي ثم انغمس بعـد ذلك في النشاط السياسي .

 تزامن دخول مهاتير محمد إلى الساحة السياسية كعضوي البرلمان لأول مرة عام ١٩٦٤ م مع فترة عصيبة شهدت اضطرابات سياسية مثل الصراع بين الأحزاب والجـدال حـول اللغـة القوميـة مـمـا أدى إلى تصاعد الصـراعات العرقية التي تفجرت في ١٣ مايو ١٩٦٩ م ، وفشل حينها في الحصول على مقعد في البرلمان في هذا العام ، وبعد مواجهات عنيفة بين الإتحاد والأحزاب المعارضة تحول الإتحاد إلى تنظيم جديد هو الجبهة القومية التي ضمت بعض أحزاب المعارضة تحول الإتحاد إلى تنظيم جديد هـو الجبهة القومية التي ضمت بعض أحزاب المعارضة والتي فازت في الإنتخابات عام ١٩٧٤ م ، وعين حينها مهاتير محمد وزيراً للتعليم ، ومن موقعه الجديد طبـق مـا أسماه ( السياسة التعليمية الجديدة ) ثم تولى وزارة الصناعة والتجارة بعد ذلك ، ثم استكمل صعوده السلم السياسي حتى وصل في نهاية الأمر إلى منصب رئاسة الوزراء عام ١٩٨١ م . 

كان لمهاتير محمد من الذكاء السياسي ما مكنه من التواصل مع الملايا والتيارات الإسلامية التي تعبر عنها ، وهـو مـا أدى به إلى تغيير خطابـه السياسي ليتضمن تأكيداً على العلاقة بين الإسلام والتنمية ، كما استطاع المحافظة على التوازن بين المجموعات العرقية المتنافسة سياسياً : وبوصوله إلى منصب رئاسة الوزراء بدأ مهاتير محمد ينفذ خططه وأفكاره لتنمية البلاد وتطوير الشعب ومنافسة دول الصناعة الكبرى . 

إن مهاتير محمد يملك من مقومات الزعامة والقيادة مـا ينـدر اجتماعها في شخص واحد ، فهو شخصية كارزمية مؤثرة وأسـرة ، وهو أيضاً مفكر حر ومسلم ملتزم ولديه حس اجتماعي رفيع ويملك رؤية حضارية ناضجة ويتمتع بثقافة واسعة وعميقة ، ويفيض بقدرات كتابية وخطابية متميزة ، فهو كاتب قدير ومؤلف بارز ، وله أكثر من سبعة عشر كتاباً عالج فيها أهم قضايا التنمية ، فهو ليس عملياً فقط ولا مفكراً فحسب وإنما هو قد جمع بينهما في تألف مدهش ، وهـو صاحب رؤية استراتيجية نافذة ولديه القدرة على اتخاذ قرارات مصيرية حاسمة ، وهـو يعمل بحكمة ورباطة جأش حتـى في الأزمات الصاعقة فلقـد واجـه بثبـات وحكمـة عاصفة الإنهيـارات الـتـي كـادت أن تقـوض النمـور الآسيوية وكـان هـو الرجـل الأحكم والأنجح في مواجهة ذلك الإعصار المدمر ، ورغم ضخامة أعبائه الوطنية فإنه لم ينشغل بها عن هموم المسلمين في كل مكان ، فهو قائد وطني متبوع وزعيم إسلامي محترم .

 إن مهاتير محمد مثال رائع للزعيم المسلم الناجح لذلك يجب تكرار الإشادة بـه والتذكير بإنجازاته والدعوة إلى احتذائه ، فتجربـة ماليزيا في هذا العصر من التجارب الإسلامية التي يجب أن تعيها الأجيال المسلمة خصوصاً ليتخذوا منها مثالا للعمل الجاد والإنجاز المبهر في ظل الوضع الراهن حيث أن تجاربنا قد حكمت علينا بالخمول والكسل والتراخي والدعة ·