الحياة الغريبة في أعماق البحار:

إن الحياة في تلك الدنيا المائية التي لا سقف لها ولا قاع لتبدو جد غريبة. ولكن ما هي الحال في المناطق الأكثر عمقاً؟ إن نصف البحار تماماً عمقها خمس كيلومترات أو أكثر، فهل يستطيع كائن أن يعيش في أسفل هناك على قاع الطابق الأرضي للدنيا؟

كان المعتقد لزمن طويل أن هذه المساحة العظيمة عبارة عن صحراء ليس بها حياة الفضاء الخارجي المحيط بالكرة الأرضية. فأولا كان هناك اعتبار ضغط الماء، وينزل غواصو اللؤاؤ إلى عمق ۳۰ متراً في المحيط الهادي الجنوبي، ويستطيع الإنسان أن ينزل داخل جهاز الغوص إلى نحو ۱۰۰ متراً، أما أعمق من هذا فإن كرة من الصلب مثل التي استعملها الدكتور بيبي هي وحدها التي تستطيع أن تحتمل مثل هذا الضغط الذي يهشم منزلا وكأنه قشرة بيض.

ويبلغ هذا الضغط على بعد كيلو متر نحو مائة كياو جرام لكل سنتيمتر مربع من السطح، وفي أعمق أجزاء المحيط الهادي يصل هذا الضغط إلى الطن للسنتيمتر المربع وحتى الماء نفسه يخضع لمثل هذا الضغط. املأ زجاجة بالماء فستجد أنكلا تستطيع أن تدخل بها ماء أكثر، لأن الماء وإن كان ليناً ومطاوعاً، لا يمكن دفعه في حيز أصغر، ولكن هذا ليس كذلك بالنسبة إلى البحار العميقة.

ضيع قالباً من الطوب فوق الآخر. تجد أن القالب الأسفل يبقى صامداً، لكن إذا وضعنا فوقه 10.000 قالب فإن شيئاً قد يحدث. ضع قطرات من الماء الواحدة فرق أخرى لا لمسافة سنتيمترات وأمتار، ولكن لكيلومترات فتنضغط القطرات السفلى أكثر فأكثر.

والبحر نفسه إذا لم يخضع لمثل هذا الضغط فإنه يرتفع في كل مكان نحو ثلاثين متراً، بحيث تغمر المياه كل مواني العالم، وتحتفي

جزر كثيرة، وتغرق مساحات عظيمة من القارات تحت الأمواج المندفعة من كل صوب وهناك شيء غريب آخر عن الماء. إن أغلب الأشياء تتمدد إذا سخنت وتنكمش إذا بردت، وهذا شأن الماء - ولكن إلى مدى معين؛ فهو ينكمش مع انخفاض درجة الحرارة إلى ما قبل أن يتجمد تماماً ثم يبدأ في التمدد. والثلج كما تعرف، يطفو على السطح لأنه أخف كثيراً من الماء. وحتى جبال الثلج الطافية التي يبلغ ارتفاع بعضها مئات الأمتار تطفو على سطح المحيطات.

 ولو كانت الحال غير ذلك لتجمدت البحار القطبية تماماً حتى القاع، وحينئذ تنخفض درجة حرارة الدنيا كلها ببطء لدرجة تموت عندها كل الكائنات الحية.

ويتجمد الماء العذب عندما تنخفض درجة حرارته إلى ۳۲ فهرنهيت. والماء الملح يتحمل درجات قليلة أكثر من البرودة، ويساعد الضغط العظيم أيضاً في منع التجمد، ولذا نجد في البحر درجات حرارة تقرب من ۲۷° فهرنهيت. ولا يتجمد الماء في أعماق البحار العظيمة. ولكن، حتى مع هذا كيف تستطيع الكائنات الحية أن تحتمل مثل هذا البرد الدائم؟

وإضافة إلى ذلك كان يظن أنه لا يمكن وجود الهواء عند مثل هذه الأعماق، في حين تحتاج كل الكائنات الحية للأكسجين، وأنه لذلك لا يوجد هناك ما يؤكل. ولذا استنتجوا أنه لا توجد حياة على قاع المحيط لعدم توافر إمكانيات وجودها.

ولكن رغما عن كل هذه الأشياء التي تبدو الحياة معها مستحيلة فإن بعض المخلوقات تعيش فعلا في هذه المناطق السفلية. ونحن قد بدأنا نعلم شيئاً عنها، فقد تم الحصول على حبار على عمق أكثر من خمسة كيلو مترات، واصطيدت سمكة غريبة على بعد ست كيلومترات تقريباً تحت السطح.

وهناك تزحف مخلوقات غريبة تسمى عناكب البحر، وهي أنواع من السرطانات. وباستعمال الحرافات تم الحصول على ديدان بحرية انتزعت من أنفاقها الأنيقة على قاع المحيط.

وهذه المخلوقات لا يزعجها الظلام، لأنها لم تعرف الضوء قط، ولا البرد لأن أجسامها في نفس درجة حرار الماء، ولا الضغط لأنها ولدت هناك وأصبحت مؤتلفة معه. وصحيح أن الأكسجين الموجود قليل ولكنه كان لاحتياجها القليل، لأن مياه البحار القطبية، وهي تحمل بعض الهواء، تغوص إلى أسفل وتزحف على قاع المحيط.

والغذاء مشكلة وأي مشكلة، وتعتمد الحياة على فتات النباتات أو الحيوانات الميتة التي تهبط كقطرات المطر ببطء من أعلى إلى أسفل. وهذا هو الغذاء الذي عبر منطقة المزدرد الأسود وسمك التنين وباقي سكان دنيا المياه الأعلى. وقد نزلت آلات التصوير إلى تلك الأعماق التي لم تعرف الضوء إطلاقاً منذ ظهرت البحار. وقد أخذت لقطات لعناكب البحر باستعمال ضوء صناعي. ودون شك سنحصل يوماً ما على صور أكبر وأحسن.

ويوفر البحر حيزاً لمعيشة الكائنات أكبر مما يوفره البر حيث تعيش كل الكائنات في التربة، أو على بعد قريب من سطحها، فتحفر ديدان الأرض قليلا وكذلك تفعل الجلد، وخنازير الأرض، وتطير الطيور إلى الأشجار، وتقفز القردة بين الغصون. ومع هذا تكاد توجد كل الأحياء البرية في نطاق ۳۰ متراً من سطح الأرض.

ولكن البحر - ومساحة سطحه ثلاثة أمثال سطح الأرض تقريباً – صالح الإيواء الحيوانات ومعيشتها إلى أعماق أعماقه، وحيزه الذي تشغله كائناته الحية يعادل أكثر من ۳۰۰ ضعف مثيله على القارات والجزر كلها.

روائع ألوان قاع المحيط:

إن كائنات البحر لا تفقد أهميتها بالنسبة إلينا بمجرد موتها؛ لأن هناك كل ا هو ميت ومنسي يتراكم بعضه فوق بعض باستمرار. ونحن نحتفظ بالقديم من الكراسي والصور والأطباق في «البدروم، فيتجمع عليها التراب سنة بعد أخرى، ولكن يوماً ما نقوم بتنظيف ذلك "البدروم"، ونضع كل شيء في مكانه.

وقاع المحيط هو «البدروم، الكبير للدنيا، ولكن لا يمكن تنظيفه إطلاقا أو إزالة التراب عنه، ولذا فإن الأيام تعمل عبر أزمنة طويلة، وتنسج من التراب وفضلات البحر الأخرى أعظم وأبدع طنافس الدنيا..

 وما نسميه أرضاً يابسة هو في الحقيقة في تفتت مستمر؛ فالصخور تهدم لتكون التربة التي تنمو فيها النباتات. وتحمل الرياح التربة هذه هنا وهناك وتطحنها وتحيلها إلى تراب، وهذا تحمله الأمطار إلى الأنهار، والأنهار تحمله إلى المحيط. وفي كل عام يحمل من التربة إلى البحر ما يكفي لتكوين جبل طوله ست كيلومترات ونصف كيلو متر وارتفاعه كيلومتر ونصف كيلو متر.

وفي المناطق غير العميقة من البحر التي نسميها الأفاريز القارية تتحول مثل هذه الفضلات إلى طين. وهذا الطين مختلط بأعشاب البحر الميتة والمواد الحيوانية، وهو أساساً من ثلاثة ألوان: أحمر، وأخضر، وأزرق.

ويتراوح الطين الأحمر بين الأحمر الأسمر والأصفر الأسمر. وهو شائع في البحر الأصفر في الصين وعلى طول سواحل البرازيل.

ويوجد الطين الأخضر على طول ساحل المحيط الأطلسي لأمريكا الشمالية، وفي أستراليا، وجنوب أفريقيا، واليابان.

والطين الأزرق أغزر كثيراً من الطين الآخر، وهو ليس أزرق دائماً؛ فقد يكون رمادياً معتماً، أو أسمر، وفي بعض الأحيان أسود تقريبا.

وتغطى أشكال الطين هذه العديدة الألوان الأفاريز القارية، وتكسو المنحدرات. ولكن قاع المحيط له أبسطة أكثر غرابة.

والأبسطة هذه من نوعين: الطرين والصلصال. والطريق لا يتكون من فضلات القارات، ولكن من ملايين فوق ملايين من كائنات دقيقة كانت تعيش يوماً ما في أعداد عظيمة في المياه السطحية. والكثير منها كان له أصداف دقيقة كالتي تتوافر للمحار والوتر. ولما ماتت هذه الكائنات هبطت أصدافها إلى أسفل إلى قاع المحيط، مثلما تهبط رقائق الثلج، وهناك تكونت عجينة لزجة رقيقة لها اسم طويل «طرين جلوبيجيرينا.

وهناك كائنات أخرى دقيقة، تقفز هنا وهناك وكأنها فراشات بيضاء. وهذه أيضاً اسم طويل «جناحية القدم، وأصدافها تكون أيضاً طرينا جيريا.

وفي بعض الأماكن يتراكم طرين جلوبيجيرينا بسرعة عظيمة، فقد تتكون طبقة سمكها سنتيمتران أو أكثر في مدى عشر سنوات. ويوجد هذا الطرين فيرقع في كل البحار. وهو يغطي نحو ثلثي قاع المحيط الأطلسي، وربما نصف قاع المحيط الهندي، وثلث قاع المحيط الهادي.

وتزيد مساحة تلك الرقع على مساحة القارات كلها بملايين الكيلومترات المربعة. ويتراوح لون هذا الطرين بين الأبيض والأسمر، ولكنه قد يكون مشرباً باللون الوردي، أو الأصفر، أو الأزرق، أو الأخضر.

ويتصلب هذا الطين إلى طباشير. وجروف دوفر البيضاء، تتكون من مثل هذا الطباشير. وقد يتصلب الطباشير فيتحول إلى حجر جيري ورخام. وقطعة الطباشير التي تكتب بها على السبورة تتكون من أصداف مخلوقات دقيقة عديدة كانت تعيش يوماً ما في البحر.

ويتكون بساط أصغر من القشور الزجاجية للدياتومات والمتشععات. وتوجد مناطق عظيمة من هذا الطرين تمتد عبر المحيط الهادي، كما يوجد حزام عريض شال المنطقة القطبية الجنوبية يمتد حول الدنيا تماما، وتعادل مساحة هذا الطرين الزجاجي مساحة أمريكا الشمالية كلها.

وطرين جلوبيجبر بنا والدياتومات هما أبسطة المحيط الشائعة في المناطق التي عمقها ثلاث كيلومترات أو أكثر. ولكن الأعماق الأعظم لها غطاء مختلف تماماً، وهو يسمى صلصالا، ويغطي مساحات عظيمة من قاع المحيط الهندي والأطلسي، ولكن أكثر ما يوجد في المحيط الهادي أو ربما ثلاثة أخماس هذا المحيط العظيم الذي هو أكبر المحيطات، يرتكز على مهاد عظيمة من الصلصال.

ولقد ظل هذا الصلصال لغزاً شغل بال العلماء زمنا طويلا، وهم يعتقدون الآن أنه تكون تقريباً بنفس الطريقة التي تكون بها طرين الحلوبيجيرينا. وفي تلك الأعماق الباردة يذوب الجير تحت ضغط الماء الهائل وتبقي بعض معادن قليلة مثل الحديد والألمونيوم، والمنجنيز، وتختلط هذه بتراب النيازك التي تحترق في الأجواء العليا. وقد ظل هذا التراب من الفضاء الخارجي يهبط كقطرات المطر إلى قاع المحيط الملايين السنين فساعد على أن يكتسب الصلصال الأسود احمراراً في اللون.

وأما سرعة تراكم هذا الصلصال فهو أمر لا يعرفه أحد، ولكن يشك في إمكان تجمع سنتيمترين منه في ألف سنة. وتختلط بهذا الصلصال أسنان أسماك «القرش» العظيمة التي جابت البحار منذ ملايين السنين، كما توجد عظام آذان الحيتان، وهذه العظام من الصلابة بحيث تبقى بعد أن يتحلل أي جزء آخر من الهيكل الضخم للحوت.

وقد درس العلماء هذه الأبسطة. وهم بدفعون أنبوبة جوفاء في قاع المحيط مثلما ندفع الثاقب في قطعة من الفلين. وبهذه الطريقة تم سحب كتل أسطوانية من قاع البحر طول كل منها ۲۲ متراً. ودلت هذه على وجود رواسب هناك تراكمت ربما لآلاف السنين.

 وتحوي بعض هذه القطع الأسطوانية طبقات من الرمل قد يكون سمكه الثلاثة أمتار. ولكن الرمل تكونه الأمواج التي تطحن الصخور التي على طول الشواطئ، فكيف وصل الرمل إلى هذا البعد في البحر؟ ربما حمله الثلج الطافيو بعد ذوبانه هبط الرمل ليتراكم في قاع البحر، وهذا احتمال فقط ولكن أحداً لا يعرف الحقيقة. وظل العلماء زمنا طويلا يخشون أنهم لن يستطيعوا أبداً معرفة سمك هذه الأبسطة.

ولكن قد بدأت تتجمع لديهم بعض المعلومات نتيجة استعمال الأجهزة الحديثة.

فالصوت ينتقل إلى جسم بعيد ثم يرتد ثانية في شكل صدي | الصوت.

 فإذا عرقنا سرعة انتقال الصوت أمكننا أن نحدد بعد الجسم. وتعمل موجات الرادار على نفس الأساس. وقد أرسلت مثل هذه الموجات إلى القمر وارتدت ثانية إلى الأرض.

ولتحديد عمق البحر في أي مكان تفجر قنبلة تحت السطح، فينتقل الصوت إلى قاع البحر، ويرتد صداه. ومن سرعة الصوت والزمن بين تفجير القنبلة ووصول الصدى يمكن تحديد العمق في مكان هذه العملية. وموجات الصوت يمكن إرسالها أيضاً عبر أبسطة الطرين أو الصلصال، فترتد من الصخر | الأصم الذي تحتها.

وتدل مثل هذه الموجات على أن سمك أبسطة المحيط في بعض الأماكن هو 3.900 أمتار.