ربما سرت في أحد المروج في يوم من أيام الربيع ورأيت كيف كانت النباتات تشبه بساطا أخضر مزينة بأزهار صفر وبيض. ما كان أجملها! كيف كانت مليئة بالحياة!

أو ربما رأيت القفار الرملية التي نسميها صحاري، وربما شاهدت بها بعض نباتات قليلة ذابلة تكافح لتبقى حية في الشمس المحرقة، ومع هذا بدت لك الأرض مقفرة كما لو كانت ميتة، هذا إن لم تكن ماتت فعلا.

والبحر له أيضاً مروجه وصحاريه. وصحيح أن مروج البحر مختلفة جدا عن المروج التي نعرفها، فنباتاتها أكثر كثيراً، ولكن لأنها صغيرة جدا فأنت قد تنقل فيها بقارب ولا تشعر حتى بأن الحياة موجودة حولك في كل مكان.

ويحب العلماء أن يستكشفوا مروج البحر هذه، وهم يستعملون – مثل صياد السمك - شبكة، إلا أن شبكتهم هذه مصنوعة من نسيج حريري.

ويسحبون هذه الشبكة خلف قارب متحرك، فيستخلصون بعض النباتات والحيوانات الدقيقة التي يعج بها الماء، وتسمى هذه الكائنات (بلانكتون)، وهذه كلمة معناها باللغة اليونانية القديمة «هائمات». والاسم مناسب، لأن البلانكتون ندفعها الرياح هنا وهناك، وكذلك المد والجزر، والتيارات المائية.

ومن النباتات التي تستخلصها هذه الشبكة الحريرية، وأعظمها نفعاً "الدياتومات". وإذا كان في وسعك أن تضع واحدة من أكبرها حجماً على لوح زجاج رائق فإنها تبدو كذرة من تراب. والدياتومات دقيقة لدرجة لا تصدق.

وهي صغيرة لدرجة أنه وجد في لتر من الماء أخذ من قناة كيل في ألمانيا أكثر من ستة ملايين دياتوم.

ونحن نستطيع أن نجعل هذه النباتات الدقيقة تبدو أكبر باستعمال الميكروسكوب. وبهذه الطريقة نستطيع دراستها وأن نعرف عنها أكثر.

والواقع أن الدياتومات متعددة الشكل والحجم. وكل منها محوط بغلاف زجاجي دقيق عليه نقوش بديعة. وتظهر الدياتومات وكأنها عفاف رقيقة ولكنها تنبض بالحياة. وهي توجد في البحار القطبية في أعداد عظيمة جدا لدرجة | أنها تعطي للماء لونه أخضر زجاجياً. وإذا أمكنك أن تدعك بعض هذا الماء بين أصابعك فإنك تحس بملمس رملى ناتج عن وجود الدياتومات.

والدياتومات نباتات حقيقية، وهي تكون غذاء كثير من الحيوانات الصغيرة والأسماك. وهي تنمو في بعض الأحيان في رقع صفر على السطح السفلى لبطن الحوت الأزرق العظيم الذي يطلق عليه لذلك ذو القعر الكبريتي.

وتوجد كائنات أخرى دقيقة أكثر جمالاً من الدياتومات تسمى متشععات.

وهي تعيش أيضاً كالدياتومات، في منازل زجاجية، ولكن هذه المنازل أكثر زخرفة من منازل الدياتومات. وهي تتلألأ ولها بريق مثل المجوهرات.

ولكن لم يستطع صانعو المجوهرات قط أن يصمموا من المجوهرات مايصل إلى نصف دقتها. ومروج البحر هذه تزدهر في فصل الربيع تماماً مثلما تفعل الحشائش والأزهار في الحقول. وهي تذبل أيضاً تحت شمس الصيف.

وكما أن الحقول العادية بها نحل ونمل ورعاشات فإن مروج البحر بها أيضاً حيوانات كثيرة أهمها مخلوقات دقيقة تنتمي إلى مجموعة الجمبرى تسمى حيوانات والكوبيب ودا» أو مقذافية الأرجل. وهذه تكون عادة ثلي محصول شبكة البلانكتون. وفرد واحد من هذه الكوبيبودا قد يبتلع ما لا يقل عن ۱۲۰ ألفاً من الدياتومات في يوم واحد.

وهذه الكوبيبودا كما أنها تأكل فإنها تؤكل أيضاً. وقد وجد مرة أكثر من 60 ألفاً من الكوبيبودا داخل معدة سمكة واحدة من سمك الرنجة. والأسماك والحيتان تأكل الكوبيبودا، وتسبح الحيتان على سطح الماء وأفواهها مفتوحة فيمرالماء خلال الأمشاط العظيمة التي تتدلى من فكوكها العليا مثل الشوارب، وبذا تستخلص الحيتان الكوبيبودا من الماء.

وتوجد الكوبيبودا في البحار القطبية بكثرة عظيمة لدرجة أنها تعطي للماء لونا كما لو كان بطفو عليه تراب الطوب الأحمر. وقد وجد مرة أكثر من ۱۳۰۰ لتراً من "حساء الكوبيبودا"، داخل معدة حوت من الحيتان الزرقاء الكبيرة.

وهذه هي الكائنات الحية التي تعج بها مروج البحر، ولكن توجد كائنات أخرى أكثر غرابة، لبعضها رؤوس كبيرة، وقرون وعيون جاحظة، وبعضها يعطى ضوءاً مثل ضوء الخنافس المضيئة. والبواخر التي تمخر الماء ليلا تبدو كأنها تسحب خلفها خطا من النار.

كما يوجد أيضا بيض الأسماك، وصغار المحار والوتر والجمبرى، وهذه كلها تطفو لفترة قبل أن تستقر على القاع.

وأغلب النباتات الدقيقة الطافية مفيدة، ولكن قلة منها تشكل خطراً، فيوجد نوع يكون «تجزيعاً، أحمر على طول ساحل المحيط الهادي ويتوهج ليلا بلهب أخضر باهت. والأسماك وأنواع المحار التي تأكل هذه النباتات قد تسبب تسمماً للإنسان إذا أكلها.

والبحر، مثل اليابسة، له مروجه وصحاريه، فتوجد به مساحات بورتندر بها النباتات والحيوانات. والجزء الأكبر من خليج هدسون فقير في الكائنات الحية، وهذا أيضاً هو شأن مناطق شاسعة من البحر.

وتنمو على طول سواحل البحار نباتات أخرى ولكنها أقل أهمية من النباتات الدقيقة الطافية. وتسمى هذه النباتات أعشاب البحر، وهو اسم غير ملائم تماما، لأن الأعشاب هي تلك النباتات الضارة أو غير النافعة التي تنمو في أماكن خصصت لغيرها. وأعشاب البحر ما هي إلا مجرد الأنواع النباتية الكبيرة التي تنمو في البحر.

والنباتات التي توجد على اليابسة تكون خضراء على الدوام تقريباً، وذلك لوجود مادة الكلوروفيل العجيبة في أوراقها. وبوساطة هذه المادة وأشعة الشمس تصنع أوراق النباتات أساساً من الهواء والماء، سكراً ونشا وخشباً أيضاً.

وبعض أعشاب البحر خضراء مثل خس البحر وطحالب أخرى، وبعضها الآخر أخضر مشوب بزرقة، والكثير منها أحمر. ولكن النباتات الكبيرة لونها أخضر زيتوني أو أسمر.

وتنمو أعشاب البحر في المياه الشاطئية فقط حيث الضوء المناسب. وهي لا تستطيع أن تنمو إطلاقاً أسفل عمق معين، لأن كل النباتات، عدا القليل منها مثل عيش الغراب، تحتاج إلى الشمس.

وأعشاب البحر، بعكس نباتات الأرض، ليس لها جذور، والقليل منها يحمل أزهاراً. وهي تحصل على كل غذائها من الماء، ولا تحصل على أي شيء منه من التربة. والكثير منها يلتصق بالصخور، ولكن ذلك لمجرد حمايتها من أن تدفعها الأمواج خارج البحر ونبات الغلفة الكلب العملاق الذي يوجد في المحيط الهادي له أوراق كبيرة طافية، وقد تصل سيقانه إلى ۷۰ متراً في الطول. وهو ينمو في طبقات مستمرة على طول كل الساحل إلى آلاسكا.

وتعج غابات البحر الغريبة هذه بالكائنات بشكل لا يدانيها فيه أي من غابات أفريقيا.

وينمو نوع من الخلفق العملاق على شواطية جزر الوقيان، وهو مثبت تماماً بقاع المحيط بوساطة ساق قوية لدرجة أن الإسكيمو كانوا يستعملونه في وقت ما قصبة للصنارة. ولهذا النبات مثانة مركزية طافية تنتشر منها أوراق مطاطية في شكل زهرة كبيرة يبلغ قطرها خمسة عشر متراً. ويسمى هذا النبات الغريب كرنب قندس البحر، لأن القندس الذي يسبح في الماء سعياً وراء السمك يتسلق هذه المثانة الطافية، وهناك يحلو له أن يغفو كما لو كان في مهد تهزه الأمواج.

وهناك أعشاب بحرية أخرى كثيرة بها تجاويف مملوءة هواء تعمل كعوامات.

بعضها ينفصل عن الصخور وتدفعه الأمواج بعيداً عن الشاطيء. وفي بعض الأحيان يتجمع بعضها مع بعض في الأماكن التي لا يضطرب سطح الماء فيها بفعل أنهار البحر العظيمة.

وأغرب هذه الأماكن المنعزلة يمتد عبر المحيط الأطلسي من قرب جزر أزور تجاه جزر برمودا. وتبلغ مساحة هذه المنطقة ثلثي مساحة الولايات المتحدة، وتسمى هذه المنطقة «بحر السرجاسو، بسبب كثرة نوع من الأعشاب البحرية يسميه سرجاسوم، وقد تجمع هذا العشب البحري في حقول طافية يبلغ سمكها في بعض الأحيان بضعة أمتار بينها حارات عريضة من الماء.

وتروي قصص غريبة عن بحر السرجاسوهذا. وكان يظن في الأزمنة الغابرة أن السفن التي تبحر فيه قد تشتبك بها الأعشاب ولا تفلت السفن منها أبداً.

ولكنا نعرف الآن أن السفن تستطيع أن تبحر عبر مثل هذه المياه ذات الأعشاب.

وحي كولومبس عبر جزءاً من بحر السرجاسو وأدهشته الكائنات الحية التي وجدها هناك، لأنه توجد سرطانات صغيرة تزحف هنا وهناك، وأسماك غريبة تختفي بين الأعشاب.

وكما هي الحال مع مروج اليابسة فإن نباتات البحر لها فصولها السنوية، وعندما تزدهر نباتات البحر تزدهر أيضاً الحيوانات التي تغذي عليها.

ففي شهر فبراير من إحدى السنوات اصطادت شبكة بلانكتون في طرحة واحدة 400 حيوان فقط من الكوبيبودا من مياه بحر الشمال، وبعد ذلك بشهرين اصطادت أربعة ملايين.

وإذا ذهبت إلى البحر في فصل الخريف فإنك تجد أعشاباً بحرية كبيرة مبعثرة على الشاطئ، فتجد أكواماً كبيرة من الغلافق المطاطي والأعشاب الصخرية، وقد تجد على الرمال علامات مثل الحبر الأحمر هي طحالب حمراء قذفها الأمواج على الشاطئ وجففتها الشمس. وهذه الأعشاب كلها هي التي يسميها صيادو السمك الحصاد البحري.

وأبدع الحدائق التي تعرفها على الإطلاق يوجد بعضها في البحر أيضاً، وهي توجد في المناطق ذات المناخ المداري حيث يكون الماء دافئاً.

ولكن من الغريب أن الكائنات الحية في هذه الحدائق تقل فيها النباتات عن الحيوانات فنجد حيوانات إسفنج متعددة الشكل والألوان، وشقائق بحر زاهية، ومراوح بحر غريبة، وأسماكا قزحية تسيح هنا وهناك.

وأبدع هذه المخلوقات كلها هي المراجين. وعندما تموت هذه الحيوانات الغريبة ترك هياكل جيرية. المرجان النفيس هو بعض هذه الهياكل، وهو بديع لدرجة أن بعض المجوهرات نصنع منه. وتتجمع بعض الهياكل الأخرى بعضها مع بعض في كتل ضخمة.

وكثير من جزر المحيط الهادي الجنوبي هي من صنع الحيوانات المرجانية هذه. وهي التي شيدت الحاجز المرجاني الأعظم الذي يمتد لمسافة أكثر من ۱۳۰۰ كيلو متر بمحازاة ساحل. أستراليا. وترتكز فلوريدا على مخفر مرجاني ورمال، وفيما عدا الإنسان نفسه فقد غيرت المراجين من سطح الأرض أكثر من أي مخلوق حي آخر.