مرحلة العوز المناعي الشديد (مرحلة الإيدز)

عندما يصل اللمفي لأقل من 200 خلية لمفية CD4/ مم3 يكون المرض قد وصل إلى مرحلته الأخيرة وهنا تبدأ المعاناة الحقيقة الأخيرة وهنا تبدأ المعاناة الحقيقية الناجمة عن فشل جهاز المناعة في حماية الجسم من الميكروبات الانتهازية والخلايا السرطانية التي تنشأ داخل الجسم. يتصاعد انهيار المناعة بسرعة ويصل العد اللمفي إلى أقل من 50 خلية لمفية CD4/ مم3 ويرتفع الحمل الفيروسي (عدد جزيئات الفيروس لكل مم3 من بلازما الدم) إلى أعلى درجاته. وتتجلى الأمراض المختلفة -وهي كثيرة – لتقتل المصاب في شهور قليلة يعاني أثناءها من أخماج وأورام وتقرحات بالجلد والأغشية المخاطية وتدهور في التفكير يصل لحد الخرف كما يصاب بالعمى نتيجة التهاب الشبكية الفيروسي.

يبين جدول رقم 8 أهم الأمراض التي قد تصيب المريض في مرحلة الإيدز.

 

 

جدول رقم (8)

أهم الأمراض التي قد تصيب المريض في مرحلة الإيدز

 

أخماج فيروسية

-هربس بسيط متكرر ومقاوم للعلاج

-هربس عصبي (الحزام الناري) متكرر

-فيروس (CMV) الذي يسبب التهاب الشبكية والعمى

 

أخماج بكتيرية

-سالمونيلا الدم

-إسهال مزمن (Isosporiosis)

-السل

-سل الطيور

أخماج فطرية

-فطريات انتهازية تصيب الأعضاء الداخلية

أخماج طفيلية

-التهاب رئوي(Pneumocystis)

-التهاب المخ يسببه التوكسوبلازما

أورام سرطانية

-سرطان كابوسي

-سرطان لمفي

-سرطان لمفي بالمخ

-سرطان عنق الرحم

أعراض أخرى

الهزال الشديد

عدد خلايا لمفية (CD4) أقل من 200

 

أعراض مرض ف ع م م في أجهزة الجسم المختلفة

لبعض أعراض الإيدز شهرة خاصة سوف نتناولها في الصفحات التالية بشيء من التفصيل وذلك حسب أجهزة الجسم المختلفة.

 

الجهاز المناعي

 يستهدف فيروس العوز المناعي أساسا الخلايا اللمفية (CD4) التي هي من أهم مكونات جهاز المناعة حيث تلعب دوراً محوريا في التنسيق بين مكوناته الأخرى، ويمكن تشبيه دورها هذا بدور قائد الأوركسترا الذي يستخدم عصاه الصغيرة وحركاته وإيماءاته في الربط والتنسيق بين مجموعات العزفين (باقي مكونات جهاز المناعة). بإصابة القائد يختل العزف الجميل ويبدأ النشاز-رغم وجود مدونة موسيقية (نوتة) لدى كل عازف _لغياب المنسق. يتجلى اختلال جوقة جهاز المناعة فيما يلي:

 

1-نقص المناعة الخلوية (Cell Mediated Immunity CME) المسئولة أساسا عن مكافحة الطفيليات والفيروسات وكثير من أنواع البكتيريا مانعة إياها من توطن أعضاء الجسم، وتقوم المناعة الخلوية كذلك بالتعامل الفوري مع طفرات من الخلايا -تنشأ تحت الظروف العادية بسبب عوامل متنوعة – بقتلها قبل أن تتحول إلى أورام سرطانية.

 

2-زيادة إنتاج الجلوبيولينات المناعية (Immunoglobulins) واختلال نسبها ووظائفها:

 

1-ينتج عن ذلك ظهور أجسام مضادة تهاجم أنسجة الجسم فتسبب ما يسمى أمراض المناعة الذاتية كالتهاب الأعصاب والنزيف الجلدي (الفرفورPurpura) وفقر الدم نتيجة الانحلال المناعي لكرات الدم الحمراء (Autoimmune Haemolytic anemia) وضمور غشاء المعدة وظهور طفح حبيبي فقاعي بالجلد-(Pruritic papulo-sicular eruption).

2-من الظواهر المصاحبة لاختلال جهاز المناعة زيادة كبيرة في الحساسية للأدوية (الطفح الدوائي) مقارنة بالأفراد العاديين ويعزى هذا إلى اختلال إفراز الجلوبيولينات.

3-تتولي الجلوبيولينات المناعية أيضا مهمة مكافحة أنواع أخرى من البكتيريا غير تلك التي تقضي عليها المناعة الخلوية، وفي ظروف اختلال وظائفها يفقد الجسم سلاحا من أسلحته.

 

 

الجلد

  يحظى الجلد بنصيب الأسد في مرض ع م م وتتجلى الأعراض الجلدية المختلفة والمتنوعة خلال جميع مراحل المرض. ويعد ذلك أوضح مثال – بعد مرض الزهري-يؤكد ارتباط الأمراض الجلدية والتناسلية بعضها ببعض واعتبارهما فرعا واحدا من فروع الطب وتخصصاته. وقد أثبتت البحوث العلمية وجود علاقة وثيقة بين الجلد وجهاز المناعة بحيث اعتبره البعض أحد مكوناته وقد يفسر ذلك كثرة الأعراض التي تظهر عليه عند اختلال جهاز المناعة. تختلف الظواهر الجلدية حسب المرحلة التي يمر بها المرض:

     في مرحلة المرض الابتدائي: طفح وردى يشبه الحصبة، قرح بالفم، إصابة الأغشية المخاطية، تقشر الجلد، تساقط الشعر.

-        في مرحلة العوز المناعي المتوسط يكون الجلد أكثر قابلية للأخماج الفيروسية مثل الهربس البسيط، الهربس العصبي (الحزام الناري)، السنط والمليساء المعدية والأخماج الفطرية كالتينيا بأنواعها وفطر الكانديدا و الأخماج الطفيلية مثل الجرب بالإضافة إلى الصدفية و الإكزيما الدهنية (أكثر الأمراض الجلدية انتشاراً وتصيب 90% من مرضى ف ع م م). وتتشابه الأعراض مع الحالات العادية لكنها تكون أكثر شدة ومتكررة ومقاومة للعلاج (صورة رقم 10). وتظهر أيضا بعض الأعراض بالفم أهمها الإصابة بفطر الكانديدا، اللسان المشعر، التهاب اللثة، وسرطان كابوسي.

-        حين يصل المرض لمرحلة العوز المناعي الشديد (الإيدز) يصاب الجلد بمجموعة خطيرة من الأمراض أهمها سرطان كابوسي (صورة رقم 8) والسرطان اللمفاوي كما يصيبه الأخماج الانتهازية بأنواعها، كما يتغير شكل بعض الأمراض وأبرز مثال لذلك الهربس البسيط الذي يظهر في صورة قرح جلدية مزمنة (صورة رقم 11) تتسع ولا تستجيب للعلاج مقارنة بالصور العادية التي يظهر فيها على هيئة بعض فقاعات صغيرة تتجمع حول الأنف أو الفم وتشفي في غضون أيام قليلة.

 

الجهاز التنفسي

  تتحمل الرئتين العبء الأكبر وتصاب بالالتهابات المتكررة، وكان ظهور الكثير من حالات الالتهاب الرئوي المتكرر نتيجة طفيل نيوموسستس (طفيل انتهازي). وكان انتشاره بين الرجال المثليين في مدينة سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة أول ما لفت أنظار الأطباء وهو الذي أدى اكتشاف مرض ع م م، وتصاب الرئتين أيضا بالدرن وبالاتهاب الرئوي التقليدي بأنواعه والخراج الرئوي.

 

الجهاز الهضمي

يعد الإسهال الذي يستمر لفترات طويلة أكثر أعراض الجهاز الهضمي حدوثا في مرض ف ع م م، وينتج عن العدوى ببعض أنواع البكتيريا الانتهازية. ويسبب الإسهال وفقدان الشهية نقصا شديدا في الوزن ينتهي بحالة الهزال التي تميز مرضى الإيدز (صورة رقم 9).

 

الجهاز العصبي

تظهر إعراضه المتعددة خلال معظم مراحل المرض بما في ذلك مرحلة الكمون، ويمكن أن تشمل الجهاز العصبي المركزي (المخ والنخاع الشوكي) أو الأعصاب الطرفية التي عندما تلتهب يشعر المريض بتنميل وحرقان بالأطراف أو شلل في العضلات التي تغذيها الأعصاب الملتهبة. أما أعراض إصابة المــخ فقد تكون وظيفية مثل تدهور مستوى التفكير واللامبالاة الخرف أو نتيجة الإصابة بالأخماج الانتهازية -خاصة فطر كريبتوكوكوس الذي يسبب التهابا مزمنا في أغشية المخ – والأورام الخبيثة مثل لمفوما المخ، ويصاب المخ في الأطفال بسهولة مقارنة بالبالغين.

 

القـــلب

تتأثر عضلة القلب بطريقة غير مباشرة فتضعف مسببة هبوط القلب بأعراضه المختلفة كالنهجان وتورم الساقين. كما يلتهب الغشاء المحيط بالقلب نتيجة الإصابة بالأخماج الانتهازية خاصة الفيروسية.

 

الكــلى

تتأثر الكلى في 20% من الحالات نتيجة التأثير المباشر لفيروس ع م م والإصابة بالأخماج الانتهازية أو بسبب الأدوية المستخدمة في علاج، وينتهي الأمر في جميع الأحوال بالفشل الكلوي.

 

   العــــين

أكثر من ثلث المصابين بـ فيروس ع م م مهددين بالعمى بسبب الإصابة بالفيروس الانتهازي (CMV) الذي ينشط في المراحل المتأخرة من المرض مسببا التهاب شبكية العين.

 

العــــــــلاج

لا يُعني بكلمة "العلاج" الدواء فقط بل يمتد ليشمل العديد من البنود التي يكمل بعضها البعض مثل الوقاية والمشورة والتعامل مع مختلف المضاعفات التي تنشأ خلال مراحل المرض المختلفة والمضاعفات التي قد يسببها العلاج (وما أكثرها). ينقسم العلاج الدوائي بدوره إلى العقاقير المضادة للفيروس والأدوية الواقية من المضاعفات.

 

العقاقير المضادة لفيروس ع م م

أفاد اكتشاف دورة حياة الفيروس وأسلوب تكاثره في إمكان تصميم أنسب الطرق للحد من ذلك التكاثر وإيقافه وبالتبعية خفض تركيز الفيروس في الجسم مما يعطى جهاز المناعة الفرصة -ولو لبعض الوقت -لالتقاط أنفاسه. وتبين أن أضعف المراحل في دورة الحياة هي مرحلتا. التحول الإنزيمى (إنزيم RT وإنزيم بروتيناز Proteinase) ومن ثم تم تخليق العقاقير التي تحبط عمل تلك الإنزيمات. تنقسم العقاقير المستخدمة إلى مجموعتين:

1-مجموعة مضادات إنزيم (RT).

2-مجموعة مضادات إنزيم بروتيناز (Proteinase).

 في العام 1994 أوصى الخبراء باتباع ما يسمى بنظام العلاج المكثف (HAART) المكون من ثلاثة عقاقير مضادة للفيروس تعطى في نفس الوقت للتغلب على مشكلة ظهور السلالات المقاومة للعلاج، ويراعى في الاختيار أن ينتمي عقاران للمجموعة الأولى والثالث من المجموعة الثانية. وقد نجح نظام (HAART) في تحسين نوعية الحياة بل وإطالتها في كثير من المرض بشرط استمرار العلاج المنتظم. وللأسف ينتكس المرض فور التوقف عن تعاطى الدواء لأي سبب سواء كان عدم القدرة المادية، أو حدوث مضاعفات من الدواء، أو نتيجة إهمال من المريض ...إلخ).

 

متى نبدأ العلاج؟

لابد من اختيار التوقيت الأنسب لبدء العلاج للحصول على أفضل النتائج وقد أوصت الدراسات على ضرورة بدء العلاج بمضادات الفيروس في الحالات التالية:

1-جميع المصابين بالمرض الأولى (مرحلة التحول المصلى).

2-المرضى الذين مضى على تحولهم المصلى 6 شهور أو أقل.

3-مع ظهور أول أعراض مرضية لدى مرضى مرحلة الكمون.

4-العاملون في مجال الصحي إذا تعرضوا لظروف ترجح إصابتهم أثناء تعاملهم مع مريض مثل التعرض لوخزة إبرة أو مشرط ملوث بدم المريض أو إفرازاته.

5-أثناء الحمل منعا لانتقال الفيروس للجنين.

6-بالنسبة للمصابين الذين لم تظهر عليهم أعراض بعد، يعتمد قرار بدء العلاج على بعض المؤشرات المعملية مثل عد الدم والتركيز المصلى للفيروس.

 

        إشكاليات العلاج

كما يقال في الأمثال الشعبية "الحلو ما يكملش" لم تحل العلاجات المتاحة حاليا مشكلة مرض ف ع م م بصورة مرضي ولا تزال هناك معوقات نلخصها فيما يلي:

1-العقاقير المتاحة في الوقت الحاضر لا تقضي على الفيروس بحيث تلخص الجسم منه تماما، ينحصر دورها في الحد من تكاثره فيقل العبء على جهاز المناعة كما تقلل من تركيز الفيروس في دم المريض، وبذا تقل فرص نشر العدوى للآخرين. ولما كان أثر العلاج إحباطياَ وليس قاطعا فإن العلاج المستمر-بمشاركه العديدة -يصبح ضرورة حتمية.

2-تنشأ أثناء عمالية التكاثر سلالات من الفيروس مقاومة للعلاج مما يفقد العقار (أو العقاقير) الفاعلية، وقد تظهر تلك السلالات بعد وقت قصير من بدء العلاج.

3-كثرة الآثار الجانبية للعلاج وخطورتها قد تحتم التوقف عن مواصلة العلاج في أحيان كثيرة.

4-التدخلات العلاجية بين الأدوية تحتم الحرص الشديد عند وصف أي علاج جديد سواء كان لمرض الإيدز أو لغيره.

5-التكلفة العالية "الفلكية" للعلاج.

الوقاية من الإصابة

لا تزال الوقاية تمثل حجر الزاوية في مكافحة انتشار وباء الإيدز الذي أصبح يهدد الإنسانية بالفناء فيما لو استمر معدل الانتشار على ما هو عليه حاليا. ويمكن تلخيصها في جملة واحدة جاءت في جميع الكتب السماوية وتعاليم المصلحين الأخلاقيين "لا تزنى"، كما نهت عن الممارسات الجنسية الشاذة (اللواط) واستعمال مغيبات العقل كالمشروبات الكحولية والمخدرات. تفقد الخمر شاربها الحكم الصحيح على الأمور وتنقل حقن المخدرات الفيروس من مصاب لآخر وكلاهما يفقد المتعاطي احترام الذات فيسهل عليه التورط في ممارسات مشبوهة اجتماعيا وجنسيا. وما فتئت العلاقات الجنسية الطريقة المسئولة عن انتقال المرض حسب جميع الإحصائيات العلمية على مستوى العالم والاتصال الجنسي غريزة غير قابلة للإلغاء ولكنها قابلة للسيطرة.