قلًب في ألبوم الصور العائلية الخاصة بوالديك أو جديك، وسوف تصعق بسبب الرشاقة التي كانت تبدو علي الجميع حينها. فالمرجع أن النساء كن يرتدين الأثواب ذات المقاسات الصغيرة، بينما كان مقاس خصر الرجل لا يتعدى 81سم. وكانت الزيادة في الوزن تعني اكتساب بعض الكيلو جرامات الزائدة؛ بينما كانت البدانة نادرة الوجود. ماذا عن نسبة الأطفال من ذوي الوزن الزائد؟ تقريباً منعدمة. هل توجد وقتها أشخاص محيط خصرهم يبلغ المتر تقريباً؟ لا، علي الإطلاق. وماذا عن المراهقين الذين يبلغ وزنهم 90كجم فأكثر؟ بالتأكيد غير موجودين.

لماذا كان أبطال المسلسل Jun Cleaver في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، وربات البيوت، وبقية الأشخاص المتواجدين في هذه الحقبة أكثر رشاقة بكثير من الأشخاص المعاصرين الذين نراهم علي الشواطئ، وداخل مراكز التسوق، وفي المرآة؟ وفي حين أن نساء تلك الحقبة كانت أوزانهن تتراوح عادة بين 49كجم و52كجم، والرجال بين 68كجم و74كجم، صارت أوزاننا أزيد بعشرين، أو ثلاثين، أو حتي تسعين كجم.

لم تكن النساء في ذلك العالم يمارسن الرياضة تقريباً(فقد كان ذلك يعتبر أمرا غير لائق). كم عدد المرات التي شاهدت فيها والدتك وهي ترتدي حذاءها الرياضي لتذهب للركض لمسافة خمسة كيلو مترات؟ في الوقت الراهن حين أخرج في أي يوم جميل أري العشرات من النسوة يقمن بالركض، أو ركوب الدراجات، أو المشي السريع؛ وهي الأشياء التي لم نكن نراها فعلياً قبل أربعين أو خمسين سنة. ومع ذلك، فإننا نزداد سمنة عاما بعد عام. 

تعمل زوجتي مدربة للسباقات الثلاثية؛ ولذا يتاح لي مراقبة بعض وقائع هذه التمارين الشاقة كل عام. ويتدرب هؤلاء المتسابقون بصورة مكثفة لعدة أشهر أو أعوام قبل السباق لإتمام ما يتراوح بين كيلومتر ونصف وثلاثة كيلومترات يقطعونها في السباحة في المياه المفتوحة، وما يتراوح بين 90و180كيلو متراً يقطعونها في ركوب الدراجات، وما يتراوح بين 20و40كيلو متراً يقطعونها في الجري في النهاية. إن إتمام سباق كهذا يعتبر عملا فذاً في حد ذاته، حيث إنه يتطلب تناول ما يصل إلي عدة ألاف من السعرات الحرارية والتمتع بقدرة مذهلة علي التحمل. فأغلبية السباقات الثلاثية تلزم المتسابقين باتباع العادات الغذائية الصحية بدرجة ما.

إذن لماذا يعاني ثلث هؤلاء الرياضيين والرياضيات والمتفانين والمتفانيات الوزن الزائد؟ إنني أتغاضي عن كونهم مضطرين إلي اكتساب عشرة أو عشرين كيلوجراماً زائدً. ولكن، نظراً للمستوي الزائد لنشاطهم المتواصل وجدول تدريبهم المُلح، كيف يمكنهم بعد كل ذلك أن يعانوا الوزن الزائد؟

إن اتبعنا المنطق التقليدي، فإنه علي متسابقي السباقات الثلاثية زيادة المران أو تقليل الطعام لإنقاص وزنهم. وهي فكرة أراها سخيفة بكل ما في الكلمة من معني. إنني سأجادل أن المشكلة في غذاء معظم الأمريكيين وصحتهم لا علاقة لها بالدهون، أو السكريات، أو انتشار الإنترنت مع أفول نمط الحياة الزراعي. إنه القمح – أو ما يبيعونه لنا علي أنه "قمح".

سوف تدرك أن ما نأكله، والمتنكر في صورة كعك النخالة أو خبز البصل، لا يمت بصلة للقمح في الواقع، ولكنه المنتوج المتحول من الأبحاث الجينية التي أجريت خلال النصف الأخير من القرن العشرين. لا يعتبر القمح الحديث قمحا حقيقياً بأكثر مما يعتبر الشمبانزي شبيها بالإنسان. فبينما نتشارك مع هذه الثدييات العليا كثيفة الشعر في 99% من الجينات، مع فارق كونهم لديهم أذرع أقصر، وشعراً يغطي كامل الجسم، وقدرة أقل علي الفوز بالجائزة الكبرى في برنامج المسابقات (المحك)،أجدني أثق بأنك يمكنك بسهولة تحديد الفارق الذي تشكله تلك النسبة. فبمقارنته بسلفه قبل مضي أربعين عاما فقط، لا يصل القمح الحديث حتي إلي الدرجة المذكورة نفسها من التقارب. أعتقد أن الاستهلاك المتزايد للحبوب – أو بصورة أكثر دقة الاستهلاك المتزايد لهذا الشيء المعدل وراثياً المسمى بالقمح الحديث – يفسر التباين بين الأفراد المتمتعين بالرشاقة برغم ميلهم إلي عدم الحركة في فترة الخمسينيات والأفراد الذين يعانون زيادة الوزن في القرن الحادي والعشرين، ومن ضمنهم متسابقو السباقات الثلاثية.

إنني أدرك أن اعتبار القمح طعاماً ضاراً يشبه اعتبار "رونالد ريجان" شخصاً شيوعياً. ربما يبدو التقليل من أهمية مكون رئيسي في الوجبات اليومية إلي درجة كونه خطراً علي الصحة العامة أمرا منافياً للعقل، بل وحتي عديم الوطنية. ولكنني سأجادل بأن أشهر بذرة في العالم هي أيضاً المكون الغذائي الأشد فتكا في العالم. تتضمن الآثار الغريبة الموثقة للقمح عي الإنسان كلاً من تحفيز الشهية، وإفراز الإكسورفين المنشط للمخ (وهو نظير الإندورفين الذي ينتج داخلياً)، والارتفاع الهائل لنسبة السكر في الدم والتي تحفز نوبات متناوبة من الشعور بالتخمة وزيادة الشهية، وحدوث عملية التسكًر التي تكمن وراء المرض والشيخوخة، والالتهابات ودرجة الحموضة التي تضعف الغضروف وتُلحق الضرر بالعظام، وتفعيل اضطرابات الاستجابات المناعية. وهناك مجموعة مركبة من الأمراض الناتجة عن استهلاك القمح، بدءا من الداء الزلاقي – وهو المرض المعوي المدمر الذي يحدث بسبب التعرض لجلوتين القمح – وحتي الإصابة بمجموعة متنوعة من الاضطرابات العصبية، ومرض السكري، وأمراض القلب، والتهاب المفاصل، والطفح الجلدي الغريب، وأوهام الفصام التعجيزية.

إذا كان ذلك الشيء المسمى بالقمح يمثل مشكلة كبري، فإن التخلص منه إذن يجب أن يحقق فوائد هائلة وغير متوقعة. والأمر كذلك في الواقع. فبما أنني طبيب متخصص في أمراض القلب يرى ويتعامل مع آلاف المرضى المعرضين لخطر الإصابة  بأمراض القلب، والسكري، وآثار السمنة المدمرة العديدة، فإنني قد لاحظت شخصياً اختفاء دهون البطن الناتئة، في منطقة ما فوق الحزام عندما توقف مرضاي عن تناول القمح في وجباتهم الغذائية، مع فقدان وزن قياسي وصل إلي عشرة أو ثلاثة عشر أو اثنين وعشرين كيلوجراماً في غضون الأشهر القليلة الأولي فقط. كما يتبع هذا الفقدان السهل والسريع للوزن عادة بفوائد صحية لا تزال تدهشني إلي الآن حتي بعد أن شهدت هذه الظاهرة آلاف المرات.

لقد شاهدت تبدلات صحية هائلة، مثل المرأة ذات الثمانية والثلاثين عاما، والتي كانت تعاني التهاب القولون التقرحي، وتنتظر عملية استئصال للقولون، ثم شفيت بتخلصها من القمح – وصار قولونها سليماً، أو الرجل ذي الستة والعشرين عاما، الذي كان عاجزا وبالكاد يستطيع المشي بسبب آلام المفاصل، ثم تخلص من آلامه تماما ليمشي ويركض بُحرية مجدداً بعد شطبه القمح من القائمة غذائه. وبقدر ما قد تبدو هذه النتائج استثنائية، فهناك أبحاث علمية واسعة تعتبر القمح السبب الجذري في هذه الأمراض – حيث تشير إلي أن التخلص من القمح يمكن أن يقلل من الأعراض أو يقوم بإزالتها تماما. سوف تدرك أننا، عن غير قصد، استبدلنا الراحة، والوفرة، والصحة السليمة بكرش من القمح، وفخذين بارزين، و   ذقون مزدوج لإثباتها. وقد أثبتت الدراسات العلمية المتاحة للجميع لمراجعتها كثيراً من الحجج التي أقدمها في الفصول التالية. وبشكل لا يصدق، فإن العديد من الدروس التي تعلمتها كانت مثبتة في الدراسات الطبية منذ عقود، ولكنها لم تشق طريقها إلي الوعي الطبي أو العام. إنني فقط قمت بربط الأمور ببعضها البعض، ما أتاح لي أن أتوصل إلي استنتاجات قد تجدها مذهلة.