محتويات الموضوع

 

كيف يفكر مريض الإكتئاب؟

تتزاحم الأفكار في رأس الانسان عند إصابته بمرض الاكتئاب النفسي ويبدأ في التفكير في مسائل متعددة، وفي حالة الإكتئاب يسأل المريض عن قيمة الحياة وأهميتها ويفكر في المعاناة القاتلة التي يعيش فيها بسبب الاكتئاب، ويبدأ في الاستغراق في التفكير والتأمل في الماضي وفي الحاضر والمستقبل في جو من الحزن واليأس والأسى.

ويمهد هذا الجو النفسي الذي يخيم على حياة المريض بظهور أفكار سوداء سلبية تسيطر على عقل وتفكير مريض الاكتئاب وتشكل هذه الأفكار السوداء سلسلة متصلة من الهموم بعضها يتعلق بمفهوم المريض عن نفسه وبعضها يتعلق بالاخرين من حوله وأفكار وتوقعات أخرى حول المستقبل وهنا نقدم عرضًا لما يدور في عقل مريض الاكتئاب النفسي.

أفكار وهموم بالجملة:

إن كل الأفكار والهموم التي تدور في عقل الإنسان عند إصابته بالاكتئاب من النوع السلبي الذي يتسبب في فرض انشغال الشخص باشياء وهمية لم تكن مصدرًا لانزعاجه في السابق، وفي حالة الاكتئاب يتم تضخيم أبسط الأمور ولا يكون هناك استعداد للتسامح مع احداث الحياة اليومية الصغيرة والوقائع التافهة التي لا تستحق الاهتمام.

فيظل مريض الاكتئاب يفكر في هذه الاشياء ويرى الجانب السلبي منها، ولأن التشاؤم يسيطر على تفكير المريض فإنه يتوقع أسوء النتائج والعواقب في كل الحالات.

هاجس المرض الجسدي لدى مريض الإكتئاب:

يزيد انشغال مريض الإكتئاب بحالته الصحية فيتصور إصابته بامراض جسدية ويزداد تركيزه على وظائف جسمه ويظل يراقب دقات القلب والتنفس، وحركة أطرافه بحثًا عن خلل يؤكد إصابته بمرض خطير، وتسيطر عليه هذه الفكرة الوهمية حتى يعيش فيها ويستغرقه التفكير في المرض وتدهور حالته الصحية وقد يدفعه ذلك الى طلب العلاج والذهاب الى الأطباء.

ومن الهموم الأخرى التي يعاني منها مريض الإكتئاب المشاعر القوية التي تتملكه بأنه يتغير من داخله وأن العالم يتغير من حوله ويكون هذا الإحساس مزعجًا للمريض حيث يتصور أنه شخص آخر..

شك مريض الإكتئاب في تغير شكله ومظهره:

قد يشعر مريض الإكتئاب من خلال ذلك أن أعضاء جسده أخذت في التغيير وأن ذلك يظهر على ملامحه، قد يؤكد ذلك المحيطين بالمريض حين يلاحظون أن شكله الخارجي وملامحه بدأت في التغيير يخبرونه بذلك، وقد يعتقد المريض أن بعض أعضاء جسمه الداخلية قد أصيبت بالتلف أو أن بعضها لا يعمل او لم يعد موجودا على الأطلاق، وبالنسبة للحياة والناس من حوله فإن المريض في حالة الاكتئاب قد يشعر أن حالة الكآبة تمتد لتشمل الاخرين والحياة كلها من حوله ويفسر كل الظواهر التي تدور في محيطه تفسيرا سلبًيا.

مثال ذلك أنه يشعر بألم داخلى حين يرى الناس يتحركون بنشاط ويذهبون الى عملهم ويمكنهم العيش معا والابتسام أو الضحك وكل هذه الأشياء لا يستطيع هو أن يفعلها بسبب الاكتئاب.

الهلاوس أحياناً لدى مريض الإكتئاب:

وإذا نظر المريض إلى السماء عند الغروب وبدأ يراقب تشكيلات السحب فانها تتراءى له كوجوه بشرية كئيبة او ترسم أمامه صورًا مخيفه لأشكال تسبب له القلق والضيق وتزيد من حالة الكأبة التي يشعر بها، واذا سمع المريض أی ضوضاء يخيل اليه انه يستمع الى صراخ أم أو صيحات استغاثة بل إنه أحيانا قد يتوهم سماع أصوات تتوجه اليه بالحديث ومنها ما يقول له أنت انسان سيئ، أو انت لا تستحق الحياة، ويطلق على هذه الأصوات والتخيلات السهلاوس السمعية والبصرية وتحدث هذه أثناء اليقظة حين يسمع المريض مثل هذه الأصوات أو يتخيل أنه يرى أشباحًا تسبب له الفزع وهذه تختلف عن الكوابيس والأحلام المزعجة التي يمكن أن يراها أثناء النوم، وهذه تمثل بعض الهموم والأفكار التي تدور برأس المريض وهو في الحالات الحادة من الاكتئاب النفسي وقد يتصور البعض أن السبب في ذلك يعود إلى الارواح أو السحر أو الجن أو أی قوى خفيه ولكن الواقع أن هذه هي من أعراض الاكتئاب النفسي ولا علاقة لها بشئ من ذلك.

الأفكار السوداء بين الماضي والمستقبل في ذهن مريض الإكتئاب:

في حالة الاكتئاب يبدأ الانسان في البحث عن بعض الوقائع والمواقف في حياته الماضية ويهتم كثيرًا بالأشياء السلبية في هذا الماضي على وجه الخصوص ويتصور المريض في حالة الاكتئاب أنه قد ارتكب في حياته الماضية الكثير من الأخطاء وقد ينجم عن ذلك أن يتهم نفسه بأنه شخص سيئ بل إنه أسوء الناس نظرًا لما فعله في الماضي.

ويبدو الانسان في هذه الحالة وكأنه يتصيد لنفسه الأخطاء ويكون قاسيًا في الحكم على تصرفاته في حياته الماضية وينظر المريض إلى الماضي بحسره حين يقارن بين حالته في ظل الاكتئاب وبين وضعه السابق حين كانت إرادته حره ويستطيع أن يفعل ما يريد ويقضي المريض وقتًا طويلاً في اجترار الأحداث الماضية واستعاده المواقف السلبية في حياته وهو دائمًا يتهم نفسه بالتقصير في حق نفسه وفي حق الآخرين من حوله قد يتصور المريض في تفسيره لبعض الظواهر في الأحداث الماضية أنه كان يتعرض للإضطهاد من جانب أفراد أسرته أو أقاربه وانه كان مستهدفا لبعض الأعمال التي تسببت له في الاذى وأنه لا يشعر بأن أحد يتعاطف معه أو يسانده.

النظرة للمستقبل في عقل مريض الإكتئاب:

اما بالنسبة للمستقبل فإن نظرة المريض في حالة الاكتئاب هي أنه لا يحمل إلا كل نذر التشاؤم والكآبة وقد تسيطر على مريض الاكتئاب فكرة خيالية مؤداها أنه سوف يفقد ثروته وممتلكاته ويصبح فقيرًا أو أن أسرته ستصير معدمه لا تجد ما تنفقه وأن الابناء سوف يعانون من الفقر وقد يدفعهم ذلك إلى التسول في المستقبل!

والمريض في ذلك يردد هذه الأفكار ويبدو مقتنعًا بها رغم أنها أوهام لانه قد يكون ثريًا ولديه الكثير من الأموال والممتلكات ولا يوجد ما يبرر هذا التفكير من الناحية العملية ونظرًا لشده التشاؤم ومشاعر اليأس التي تسيطر على عقل المريض المكتئب أنه يتوقع أن يصاب بمكروه هو واسرته ولا يرى أي أمل في الشفاء او الخروج من أزمة الاكتئاب، وليست له أية تطلعات في الحياة.

ومن العبارات التي يرددها مرضى الاكتئاب:

  • المستقبل مظلم ولا يحمل لى سوى الكثير من المعاناة.
  • لا أمل لي في الحياة.
  • لا يوجد شئ يستحق الاهتمام او الكفاح من أجله.
  • أشعر كما لو أنني في طريق مسدود وليس هناك مخرج مما اعانيه فى المستقبل.

وكل هذه تمثل الأفكار السوداء التي تدور برأس المريض وتضيف إلى معاناته بأنه يتوهم أنها حقيقية تمامًا ويرددها باستمرار وقد وجد علماء النفس أن مجرد ترديد هذه العبارات السلبية يؤثر في الحالة النفسية ويزيد من مدة شعور الإنسان بالاكتئاب.

 

الشعور بالإثم وتأنيب الضمير لدى مريض الإكتئاب:

من الأعراض الرئيسية لحالات الاكتئاب الشديدة شعور المريض بالذنب واحساسه بأنه قد ارتكب آلما لا يغتفر وهو بذلك في حالة دائمة من عدم الارتياح نتيجة للوم النفس وتأنيب الضمير ويبحث الإنسان في حالة الاكتئاب عن اي مسألة في حياته سواء في الحاضر أو في الماضي ثم يحاول أن يتصيد لنفسه خطا ويتهم نفسه بالتقصير ويبدأ لديه حالة آليمه من اللوم والتانيب يكون فيها قاسيًا للغاية مع نفسه.

ونسمع من مرضى الإكتئاب أحيانا العبارات الآتية :

  • لقد ارتكبت في حياتي أخطاء لا تغتفر.
  • إنني آثم وحقير ولا استحق الحياة.
  • أنا أسوء الناس لما ارتكبته من أخطاء في حق نفسي وفی حق أسرتی واستحق العقاب الشديد على ذلك.
  • أنا ملعون إلى الأبد لقد دمرت حياتي وحياة أسرتی.

ورغم أن هذه الافكار كلها وهمية إلا أن مريض الاكتئاب يشعر في قرارة نفسه أن ما يعتقده شئ حقیقی ومهما كانت الجهود بإقناعه بغير ذلك فإنه لا يغير هذا الأسلوب المرضى في التفكير.

ومن شأن الشعور بالألم وتأنيب الضمير أن يزيد من آلام المريض المكتنف ويؤدي إلى تفاقم حالته وشعوره باليأس الذي يدفعه أحيانًا إلى الخروج من هذا العذاب القاتل بالتفكير في الانتحار.

الأمور الجنسية في عقل مريض الإكتئاب:

من الموضوعات التي تدور في رأس مريض الاكتئاب وتسبب له الكثير من مشاعر الذنب وتأنيب الضمير بعض الأمور الجنسية التي يفكر فيها ويتهم نفسه بارتكاب أخطاء وسلوكيات هي خرق لقواعد الأخلاق والدين والسلوك القويم.

ورغم أن هذه الأمور تافهه ولا تستحق أی اهتمام الا انها قد تكون الشغل الشاغل للمريض وقد تمثل له الكثير من الهموم.

وأذكر على سبيل المثال حالة امراة في الأربعين كانت تتحدث حين أصيبت بالاكتئاب عن شعورها بالندم والأسى عن محادثة تليفونية لها مع شاب حين كانت في سن العشرين من عمرها تلوم نفسها لأنها فعلت ذلك دون علم أهلها.

وحالة اخرى لرجل في الستين من العمر كان يشعر بالذنب ويندم بشدة لأنه كان يمارس العادة السرية حين كان في مرحلة المراهقة وهذه أمثلة على تصيد الإنسان لبعض الأخطاء في حياته لتكون موضوعًا لتأنيب الضمير والشعور بالذنب في حالة الاكتئاب النفسي.

وفي دراسات مقارنة على مرضى الاكتئاب في الدول الغربية وفي دول الشرق الاسلامية تبين أن مرضى الإكتئاب في الغرب لديهم الاستعداد لهذا الشعور بالاثم وتأنيب الضمير عند إصابتهم بالاكتئاب بصورة تفوق المرضى في المجتمعات الإسلامية، ويعود ذلك إلى طبيعة وتعاليم الدين الإسلامي التي تفتح باب التوبة والرجاء دائمًا أمام أی شخص مخطئ وتمنح الأمل المتجدد في المغفرة .

فنلاحظ أن هذه المشاعر في المرضى في المجتمعات الإسلامية أقل منها في المجتمعات الغربية، ويظل الشعور بالإثم أحد الأعراض الرئيسية في حالات الاكتئاب النفسي الشديدة.

وبعد فقد كانت هذه رحلة داخل عقل مرضى الاكتئاب حاولنا خلالها أن نتعرف على ما يدور بداخلهم من أفكار سوداء ومشاعر آليمة تتعلق بالذات وبالحياة من حولهم وبالماضي والمستقبل وكلها تضيف إلى معاناة مرضى الاكتئاب النفسي.